محمد أبو زهرة

1425

زهرة التفاسير

ومحصه تمحيصا خلصه من كل عيب ، ومحص الذهب بالنار خلصه مما يشوبه » ، والمعنى على هذا أن هذا القرح الذي أصاب المؤمنين خلصهم مما كان يشوب قلوبهم من أعراض الدنيا ، وخلصهم ممن كانوا يخالطونهم من ضعاف الإيمان والمنافقين ، إذ تبين خبثهم ، فصاروا لا يجدون لقولهم سامعا ، ولا لدعوتهم إلى التردد والهزيمة مجيبا . والفائدة الأخرى قررها اللّه سبحانه وتعالى بقوله : وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أي ينقصهم ، إذ المحق معناه النقصان ، ومنه المحاق لآخر الشهر ؛ لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى ، والمعنى أن هذه الإصابة التي ترتب عليها تخليص المؤمنين من الشوائب يترتب عليها أن يختفى علم الكفر فلا يظهر ، وتنقص قوتهم فلا ينتصرون من بعد ؛ لأن العزائم قد تحفزت حذرة لمنازلتهم ، فكانت الهزيمة سبيلا للنصر ، وكان الجرح سبيلا لإعلاء كلمة اللّه تعالى . هذه عبرة ساقها العزيز القدير لهزيمة المؤمنين يوم أحد ، وقد نبه سبحانه إلى طريق الاستفادة من الهزيمة ، بأن نخلص أنفسنا من شوائبها ، ونمحص جماعتنا ، فهل لنا أن نستفيد من ذلك ؟ ! إن اللّه تعالى يداول بين الناس وقد دالت علينا الأزمان بما فعلنا وبما ظلمنا أنفسنا وباستخذائنا وضعفنا ، وقد بدت البشائر بأن الدولة أوشكت أن تعود إلينا ، اللهم اجعلنا ننتفع بمواعظ القرآن ، وهداية الرسول صلى اللّه عليه وسلم : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 286 ) [ البقرة ] . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 142 إلى 144 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 )